عبد الكريم الخطيب
421
التفسير القرآنى للقرآن
رحلة في العالم العلوي : وفي الإسراء إلى العالم العلوي . . يجد الرسول من آيات ربّه ، ومن دلائل قدرته ، وعجائب ملكوته ، ما تذوب في عباب محيطاته كل شرور العالم الأرضي وآلامه . . فلم يكن الإسراء في صميمه ، إلا رحلة روحية لرسول اللّه ، في عالم النور ، وإلّا استدناء له إلى مواطن الرحمة واللطف . . وإن ذلك لهو الجزاء الحسن للرسول على جهاده الصّادق ، في سبيل اللّه ، وفي قيامه على أداء الرسالة التي أرسل إليها ، واحتمل ما احتمل من أجلها . . وما ذا يكون للرسول من جزاء في هذه الدنيا ، على ما لقي في سبيل الدعوة من عنت وإرهاق ، وما أصابه من ضرّ وأذى في نفسه ، وأهله ، وصحبه ؟ إن كلّ ما في الأرض لا يقوم ببعض هذا الجزاء . . وإن الرسول الزاهد في كل ما في هذه الأرض ، وما عليها من مال ومتاع . . فلم يكن إلا ما في السماء ، هو الذي يناسب حال الرسول ، ويليق به ! وقد ذكر القرآن الكريم حادثة الإسراء في ، أول سورة الإسراء . . والذي ذكره من أمر الإسراء ، أنه وقع ليلا ، وأن حدوده كانت من المسجد الحرام بمكة ، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ، وقد وصف بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام ، فهو في مكان قصىّ بالإضافة إلى المسجد الحرام . يقول ابن إسحاق في سيرته : « وكان مسراه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما ذكر منه ، بلاء وتمحيصا ، وأمرا من أمر اللّه ، في قدرته وسلطانه . . فيه عبرة لأولى الألباب ، وهدى ورحمة ، وثبات لمن آمن به وصدّق ، وكان من أمر اللّه على يقين . . فأسرى به كيف شاء ، ليريه من آياته ما أراد ، حتى عاين ما عاين